حبيب الله الهاشمي الخوئي

35

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الحرص والشره وهو يجمع غذاء سنين لو عاش ولا يكون عمره أكثر من سنة . ومن عجايبه اتخاذ القرية تحت الأرض وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقات تملاءها حبوبا وذخاير للشتاء ، ومنه ما يسمّى الذرّ الفارسي وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل ، ومنه أيضا ما يسمّى بنمل الأسد سمّى بذلك لأنّ مقدمه يشبه وجه الأسد ومؤخره يشبه النمل . وروى البخاري ومسلم وأبو داود النسائي عن أبي هريرة عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : نزل نبيّ من الأنبياء عليهم السّلام تحت شجرة فلذعته ، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها وأمر بها فأحرقت بالنار فأوحى اللَّه تعالى إليه هلَّا نملة واحدة . قال أبو عبد اللَّه الترمذي في نوادر الأصول : لم يعاتبه على تحريقها وإنما عاتبه بكونه أخذ البريء بغير البريء ، وهذا النّبي هو موسى بن عمران عليه السّلام وأنّه قال يا ربّ تعذّب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطايع ، وكأنّه أحبّ أن يريه ذلك من عنده فسلَّط عليه الحرّ حتّى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلَّها وعندها قرية نمل فغلبه النوم فلما وجد لذّة النوم لذعته نملة فدلكهنّ بقدمه فأهلكهنّ وأحرق مسكنهنّ فأراه تعالى الآية في ذلك عبرة لما لذعته نملة كيف أصيب الباقون بعقوبتها ، يريد أن ينبّهه على أنّ العقوبة من اللَّه تعالى تعمّ الطايع والعاصي ، فتصير رحمة وطهارة وبركة على المطيع ، وشرّا ونقمة وعدوانا على العاصي ، وعلى هذا ليس في الحديث ما يدلّ على كراهة ولا حظر في قتل النّمل ، فانّ من أذاك حلّ لك دفعه عن نفسك ولا أحد من خلق اللَّه أعظم حرمة من المؤمن وقد أبيح لك دفعه بضرب أو قتل على ماله من المقدار ، فكيف بالهوام والدّواب التي قد سخّرت للمؤمن وسلَّط عليها . قال الدميري : وروى الطبراني والدار قطني أنّه قال : لما كلَّم اللَّه موسى عليه السّلام كان يبصر دبيب النملة على الصفاء في اللَّيلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ . قال : وروى أنّ النملة التي خاطبت سليمان أهدت إليه نبقة ( 1 ) فوضعها عليه السّلام في كفّه فقالت :

--> ( 1 ) النبقة بالنون المكسورة ثم الباء الساكنة حمل السدر ، ق